الأعبوس ..حكاية سد تحول الى ملعب لكرة القدم
كتبهاغمدان الدقيمي ، في 31 أكتوبر 2008 الساعة: 19:45 م
(السياسية) ـ تقرير:غمدان الدقيمي
تؤكد شواهد التاريخ القديم والوسيط أن الحضارة اليمنية كان عمادها الأساسي هو العمل الزراعي. وتكمن عظمة ذلك الإنجاز في أن اليمنيين تميزوا عن غيرهم من الأُمم التي بنت الحضارات الزراعية الأُولى في تاريخ البشرية بأنهم شيدوا حضارتهم في أرض لا أنهار فيها وتعتمد كُلياً على الأمطار الموسمية في زراعتها. وتفنن اليمنيون الأوائل في الإبداع والابتكار وأوجدوا حضارة من العدم، مختلفة عن الحضارات السائدة في تلك الحقبة التاريخية القديمة، بمعنى أنهم الذين وضعوا ووفروا مقومات وإمكانيات قيامها. وقد اعتمدت هذه الحضارة على طرق حصاد مياه الأمطار من سدود وقنوات ومدرجات والتي يراها الباحثون التاريخيون ذروة إبداع اليمني والصورة المشرقة لحضارته الموروثة.
وواصلت الأجيال اليمنية المتلاحقة هذه المسيرة الحياتية الراقية وعممتها على معظم مناطق اليمن في صورة جمعت بين الاستفادة من دروس التاريخ ومعطيات الجغرافيا وتجارب الحياة العملية المتلاحقة.
ويخطو اليمن اليوم بثقة ليواصل مسار الحياة المتجددة والقائمة على الموروث الحضاري الزراعي الإنتاجي بروح عصرية حديثة. فما زالت الزراعة تمثل جانبا هاما في حياتنا ويعمل فيها ما يقارب 50 بالمائة من القوى العاملة، ويعتمد عليها كمصدر للعيش ما يقارب 70 بالمائة من السكان، وتسهم بما قدره 15 - 18 بالمائة من إجمالي الناتج الوطني للبلاد.
وبعد إعلان الوحدة اليمنية المباركة في 22 مايو 1990 وتشكيل الحكومة والتي كان من ضمنها وزارة الزراعة والموارد المائية والتي أُوكل إليها مهام إدارة الموارد المائية حينها، بذلت الوزارة ومن خلال قطاع الموارد المائية آنذاك جهوداً كبيرة لتحديث إدارة الموارد المائية وكذا العمل علي تنفيذ مشاريع دراسة وإنشاء السدود والحواجز الصغيرة في مناطق مختلفة من اليمن.
ومع كل هذه الجهود الحثيثة من الدولة يقول مختص زراعي من ابناء مديرية حيفان بمحافظة تعز: هناك أناسا يتمتعون بخير الوحدة والجمهورية، لكنهم سرعان ما يعملون على خرابها. ومن هؤلاء بعض المختصين في مكاتب وزارة الزراعة الذين يكمُن دورهم في تنفيذ مشروعات دراسة وإنشاء السدود والحواجز الصغيرة ويتضح ذلك من خلال ما نشاهده من ولادات مشوه للعديد من مشروعات السدود والحواجز المائية (مشروع سد وادي نمش بعزلة الاعبوس بمديرية حيفان نموذجاً) حيث تعرض للعبث والإهمال.
وأضاف: “بعد تعرُّض المنطقة التي يقع فيها حاجز وادي نمش وهي جزء من عزلة الأعبوس لفترات جفاف قاسية كان آخرها وأشدها في العام 1991، حيث جفت جميع الآبار وانعدمت مياه الشرب وتم جلبها من مناطق بعيدة بأسعار خيالية، تحرك الخيرون من أبناء المنطقة وبذلوا جهوداً لمتابعة الجهات الرسمية بهدف الحصول على مشروع سد في وادي نمش يقوم بتغذية المخزون الاستراتيجي للمياه الجوفية لتوفير مياه الشرب للمواطنين والثروة الحيوانية. ولكن بدلاً من تشييد سد في المنطقة تم بناء حاجز فقط في الفترة من 94- 1997″. وتشير تقارير وزارة الزراعة إلى أن التكلفة الإجمالية لسد وادي نمش بلغت 40 مليوناً و663 ألفاً و891 ريالاً.
لهذا لايدري عدد من الاهالي هل تم اعتماد المشروع من قبل وزارة الزراعة كحاجز فقط أم تم اعتماد سد ونفذ حاجز؟”. وقالو إنه في كلتا الحالتين تفوح رائحة إهمال وفساد المختصين في الجهة المشرفة على المشروع. ففي حال تم اعتماد بناء حاجز “نجد إهمالا واضحا وتعمد ولادة مشروع مشوه من قبل المختصين في الجهات الرسمية، إذ كيف يتم اعتماد بناء حاجز فقط في منطقة مدرجات زراعية. وبحسب علمي وعلم المختصين في هذا الجانب بل وبحسب علم أي إنسان عامي أن الحاجز ينفذ في مضيق صخري لا يحتوي على أي مدرجات زراعية أو أشجار أو غيرها أما المناطق المحتوية على مدرجات زراعية فيجب أن يكون هناك سد وليس حاجزا، فكيف تجاهل المسؤولون في وزارة الزراعة هذا الأمر!!؟“.
ويرى مختصون أنه في حال تم اعتماد بناء سد وتاجر المختصون بهذا المشروع وقاموا باستلام مبالغ مالية من المقاول نظير استلامهم المشروع منه على هذه الحالة، فالمصيبة أكبر من سابقتها”. مؤكدين أن الاحتمال الأخير هو الواقع، والدليل على ذلك : “خطوات على الطريق، حقائق، وأرقام الجزء الثاني الصادر عن وزارة الزراعة تفيد بأنه تم تنفيذ سد وادي نمش بمديرية حيفان، سداً وليس حاجزاً”، وذلك في خانة نوع المنشأة. وفي خانة وضع المشروع يذكر أن المشروع منجز، معتبرا أن هذا تزوير في أوراق رسمية.
إلا أن بناء هذا الحاجز ساعد في قيام بعض الأنشطة الزراعية حول منطقة السد -بحسب أحد التربويين- مثل زراعة بعض أشجار الفاكهة بالإضافة إلى عدم تعرض المنطقة إلى حالات الجفاف السابقة لعدم نضوب المياه الجوفية من الآبار.
و يقول أحمد علي محسن (تربوي، من أبناء المنطقة) إن عدم شق طريق إلى داخل بحيرة السد لتصفيتها من الأشجار والمدرجات الزراعية الموجودة في وسط البحيرة وعدم بناء الحواجز في مؤخرة السد والتي تعمل على حجز الأتربة والمخلفات الأخرى ومنع وصولها إلى بحيرة السد كما تقوم بتخفيف اندفاع المياه إلى البحيرة وحماية الحاجز من الأضرار بسبب اندفاع المياه، قد حرم المنطقة من الاستفادة المثلى من هذا المشروع، وأنه لو تم تصفية بحيرة السد من الأشجار والمدرجات الزراعية الموجودة في وسطها لأدى ذلك إلى ارتفاع مساحة البحيرة بشكل كبير جداً وبالتالي ستكون كمية المياه المحتجزة أكثر بكثير مما هي عليه بالوضع الراهن.
ولفت إلى أن السد وشبكة الري التابعة له تعرضت لأضرار كبيرة بعد السيول الجارفة التي حدثت في 19 سبتمبر 1999، وردمت بحيرة السد وطمرتها بالكثير من المخلفات وأحدثت حفرة عميقة بجوار جسم الحاجز عند القاعدة أمام فتحة المفيض تهدد جسم الحاجز بالانهيار وهي بمقاس 20 في 15 في 6 أمتار.
ويضيف محسن: “في البدء كانت كمية رواسب المخلفات تزيد عن 50 سم (الارتفاع) على طول وعرض بحيرة السد سنويا ازدادت نسبتها خلال الأعوام الأخيرة مما يعني أن كمية المياه التي تبقت خلال العام الماضي لم تزد عن خمسة عشر ألف متر مكعب ولا تساوي 5 بالمائة من حجم المياه التي يمكن احتجازها وهذه الكمية جفت نهائيا في الأشهر الماضية من العام الجاري 2008 وبدأت المياه تنضب في كثير من آبار العزلة وهي مؤشر خطير قد يعيد مأساة جفاف 1991 مرة أخرى - لا سمح الله. كما بلغت كمية المخلفات حدا خطيرا مما يعني أن البحيرة طمرت بالكامل ولم يبق عند الحاجز سوى أقل من 3 أمتار (أنظر الصور) وأصبح قاع البحيرة علي مستوى قمة الحاجز وهذا نتيجة لعدم تنفيذ الجزء الخاص بالبحيرة عند تنفيذ المشروع الذي أصبح مشلولاً (فهل من مجيب ومنقذ للمشروع بعد أن تحول إلى استاد رياضي قد يلعب دوراً هاماً في خليجي 20“.
وأشار محسن إلى أن أبناء عزلة الأعبوس منذ الانتهاء من تنفيذ الحاجز وجهوا عدة مذكرات إلى مكتب وزارة الزراعة والري بمحافظة تعز لاستكمال ما تبقى وتصفية البحيرة، وتقدموا بمذكرات وشكاوى ومناشدات للمجلس المحلي بالمديرية وللمحافظ السابق القاضي أحمد الحجري، وقام المجلس المحلي السابق بالمديرية بعمل دراسة لشق طريق لإخراج المخلفات من السد ورست المناقصة لأحد المقاولين الذي قام بشق طريق أولي خلف السد لم تستكمل من حيث التوسعة ولم يتم بناء الجدران الساندة ولا حتى السواقي لتصريف المياه عن الطريق مما سبب ضررا كبيرا على السد وتضاعفت كمية المخلفات من الأتربة الساقطة إلى داخل البحيرة فزاد الطين بله وانسحب المقاول من الموقع فجأة ولا يعلم أحد مصير السد وماذا عن المناقصة ولماذا لم يتم محاسبة مثل هؤلاء المستهترين. وزاد بالقول: “مما دفع أبناء المنطقة إلى تقديم مذكرة استغاثة مرة أخرى للمحافظ السابق صادق أمين أبو رأس، ووجه مكتب الزراعة بإعداد تقرير لرفع المخلفات، ونزل فريق من المهندسين إلى الموقع وأجريت الدراسة وما يزال أبناء المنطقة بانتظار الحلول“.
عضو المجلس المحلي بعزلة الأعبوس مديرية حيفان عبد التواب شرف أنعم قال لـ”السياسية”: المجلس المحلي أعد مؤخرا دراسة عبر أحد المهندسين في محافظة تعز للمشروع والطريق والحاجز وسحب المخلفات إلى جانب إقامة المصدات الأمامية بتكلفة إجمالية 25 مليون ريال، منوها بأن المجلس بصدد البحث عن مصادر تمويل للدراسة ومن ثم التنفيذ، مشيرا إلى أن المناقصة السابقة التي رست لأحد المقاولين كلفت حوالى 18 مليون ريال لغرض شق الطريق وسحب المخلفات من السد إلا أنه استهلك منها حسب الأوليات وإفادة الهيئة الإدارية بالمجلس المحلي بالمديرية 9 ملايين ريال، ولم يستكمل الطريق ولا سحب المخلفات وما تم سحبه جزء بسيط لا يساوي 5 بالمائة، من المخلفات الموجودة داخل الحاجز.
وأوضح أن وضع الحاجز لا يبشر بخير وأنه أصبح ملعبا لكرة القدم وأن من الضروري العمل بالدراسة التي أعدها المجلس المحلي وطالب بسرعة البحث عن التمويل والبدء بالعمل.
الجدير بالذكر أن عددا كبيرا من القرى يجلب لها الماء من الآبار التي تتغذى من السد منها: معشر وسقيلة والدمنة والشعابي ودعان والعذير الأعلى والسراق والجريبة والمشاوز والكرب والعقبة والفظارم والشعوبيين… الخ، وهي تشكل ثلاثة مراكز انتخابية وحوالى نصف سكان عزلة الأعبوس. كما أن الجفاف أثر سلبا على الثروة الحيوانية حيث كانت تعد بالآلاف وتراجعت أعدادها لعدم توفر المياه والأعلاف. هذا إلى جانب الأثر البيئي للجفاف ويظهر من خلال اختفاء الحيوانات البرية والطيور، بالإضافة إلى تدهور الغطاء النباتي وانقراض العديد من أصناف الأشجار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























