ثقافة الديمقراطية في الحياة السياسية لقبائل اليمن.. كتاب جديد

كتبهاغمدان الدقيمي ، في 31 أكتوبر 2008 الساعة: 19:50 م

حاولت دراسة الدكتور سمير العبدلي أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، عن “ثقافة الديمقراطية في الحياة السياسية لقبائل اليمن”، التعمق في الثقافة السياسية للمجتمع اليمني، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بالثقافة القبلية، ولا سيما في الجانب الديمقراطي منها، حيث إن الديمقراطية هي نهج حديث نسبيا يمر به المجتمع اليمني منذ تحقيق الوحدة في أيار/ مايو 1990 مع الأخذ في الاعتبار أن المجتمع اليمني في معظم تكويناته يتشكل من عدد من القبائل القوية التي تنعكس الكثير من ثقافتها وتأثيرها وسلوكياتها وملامحها وعاداتها وتقاليدها في توجهات ومخرجات الثقافة السياسية للمجتمع اليمني وفي طبيعة التزاماتها نحو السلطة والنظام السياسي، وبالتالي فإن الثقافة السياسية في هذا الجانب تمثل سيكولوجية الأمة في ما يتعلق بالشأن السياسي.
 
وتناولت الدراسة، والتي تعد أول دراسة علمية ميدانية صريحة تعنى بالثقافة السياسية للمجتمع اليمني، العديد من القضايا بحسب أهميتها، منها أن أهمية دراسة الثقافة السياسية للقبائل في اليمن تنبع من أن القبيلة تشكل عصب المجتمع وتعتبر المؤسسة الجنينية التي تتشكل فيها ثقافة المجتمع اليمني، وأنها تعد إسهاما للتعرف إلى محتوى التوجهات النظرية والمنهجية للثقافة السياسية الديمقراطية لبنية من أهم بنى المجتمع اليمني، وأن تنوع القبائل داخل الوطن اليمني خلق تنوعا في ثقافتها السياسية وبخاصة أن عدد القبائل في اليمن يقدر بحوالى 200 قبيلة منها 141 قبيلة تعيش في المناطق الجبلية و27 في ساحل تهامة و25 موزعة في المناطق الجنوبية والشرقية للبلاد. كما تنبع أهميتها من خلال التأثير الكبير الذي يمارسه مشايخ وقادة القبائل، أو “المؤسسة القبلية”، الذين عملوا على أدلجة القبيلة وفق رؤاهم ومصالحهم.
 
وهدفت الدراسة، التي أجريت على عينتين من القبائل إحداها في محافظة عمران والأخرى في حضرموت، إلى كشف طبيعة ومستوى المعرفة السياسية لدى أفراد القبائل اليمنية، وما إذا كان ثمة متغيرات تؤثر فيها، كالعمر ومستوى التعليم والبيئة الجغرافية والنوع، وإلى معرفة اتجاهات الثقافة السياسية ودرجة التسامح التي يتمتع بها أفراد القبائل تجاه الآخر السياسي والمذهبي والحضاري وتجاه أنفسهم كفاعل سياسي وتجاه النظام السياسي ومدى شعورهم بتأثيرهم في مدخلات ومخرجات العملية السياسية ومدى إيمانهم بقيم الديمقراطية ودرجة تمسكهم بالهوية القبلية التي تعتمد على العصبيات الضيقة في مقابل الهوية الكلية والأشمل والمتمثلة في الهوية الوطنية للدولة اليمنية وما تحتويه من منظومة قيم متكاملة من الحقوق والواجبات إضافة إلى قياس درجة الفاعلية والحرية والمشاركة السياسية والمساواة التي يؤمن بها المواطنون بعد التجربة الديمقراطية التي دخلت الجمهورية اليمنية عقدها الثاني بها ومدى تأثير ذلك كله في مستقبل الديمقراطية واستقرارها في اليمن.
 
وخلصت الدراسة، التي جاءت في302 صفحة وصدرت عن مركز دراسات الوحدة العربية، إلى العديد من النتائج وكثير من القضايا المتعلقة بالشأن اليمني فرضت نفسها بإلحاح في البحث، لأهميتها، وتمت معالجتها علميا كونها تشكل محورا رئيسيا في تأصيل الثقافة السياسية اليمنية، وسعت الدراسة إلى تأسيس بدايتها والبحث في تحولاتها المستقبلية ومدى تطورها لدى القبائل اليمنية وفقا لمتغيرات الوحدة والديمقراطية والتي تمثل أحد المرتكزات نحو آفاق المستقبل الذي أعاقته الثقافة التقليدية المستندة إلى منطق العصبية القبلية أحيانا والمتقوية شوكتها بالأنظمة الشمولية بإيجابياتها وسلبياتها.
 
وقالت الدراسة إن تلك النزعة القبلية ما زالت تفرض قيمها التقليدية واستمرار ممارساتها السلبية المتمثلة في الثأر وحمل السلاح والحروب القبلية والاختطافات والتقطع والعصبية القبلية، وضعف الانتماء الوطني مقابل الانتماء القبلي، بالرغم من المتغيرات المحلية والدولية وما فرضته من آليات جديدة أتت بها العولمة في بعض جوانبها الايجابية من قيم ديمقراطية وإنسانية ومدنية، إضافة إلى عملها في تآكل شرعية الدولة القومية وثقافتها لمصلحتها.
 
ونوهت بنتائج العينة محل الدراسة والتي اعتمدت فيها على قياس عدد من الفروض في استمارات الاستبيان. وأوضحت أن فئة كبار السن، 25 – 45، هم أكثر إيمانا بثقافة سياسية ديمقراطية بنسبة 64.32 بالمائة، مقابل 62.66 بالمائة، لصغار السن وأن الأعلى مستوى تعليميا هم الأكثر ميلا لتبني ثقافة سياسية ديمقراطية 63.72 بالمائة، مقابل 61.28 بالمائة، للأقل تعليما.
 
وأكدت أن قبائل عمران أكثر فاعلية ومشاركة سياسية في الانتخابات وامتلاكا للبطاقات الانتخابية وأكثر اهتماما بالقضايا السياسية والتعبير عن آرائها بنسبة 60.78 بالمائة مقابل نسبة لحضرموت بلغت 51.35 بالمائة. كما حظيت عينة عمران في النتيجة النهائية بمستوى ثقافة سياسية ديمقراطية بلغت 66.60 بالمائة، بينما حازت حضرموت على 59.91 بالمائة.
 
وكشفت أن هناك ازدواجية واضحة في الانتماء وخصوصا لدى عينة عمران حيث ترتفع لديها درجة الإيمان بالانتماء إلى الهوية القبلية إلى نسبة 54.0 بالمائة وفي الوقت نفسه ترتفع درجة الانتماء والشعور والاعتزاز بالهوية اليمنية إلى نسبة 61.76 بالمائة بينما نسبة عينة حضرموت 44.0 بالمائة و55.92 بالمائة على التوالي. وأفصحت النتائج عن ضعف إقبال مجتمع البحث وعدم ثقته في مؤسسات المجتمع المدني وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، وفضلوا العمل من خلال مؤسسات تقليدية مثل القبيلة والعشيرة لما تقدمه لهم من حماية وترابط؛ ويرجع ذلك لعدة عوامل أولها نفسي قابع منذ عهود الشمولية والمستند إلى ثقافة “من تحزب خان” في المناطق الشمالية وثقافة الانتقام والتصفيات الدموية الحزبية في الجنوب.
 
وأشارت الدراسة إلى أن الدولة أو الأحزاب والتنظيمات السياسية لم تستطع منذ إقرار الديمقراطية أن تمحو تلك الصورة من ثقافة المجتمع بل كرست الأحزاب القائمة على الصورة المرسومة لها من خلال: ضعف أدائها ونشاطها في أوساط المجتمع، وشخصنة العمل الحزبي في تلك الأحزاب وافتقادها للبرامج وموسمية العمل الحزبي وضعف اختيارها لمرشحيها للانتخابات وتفضيل الوجاهة على الكفاءة، إلى جانب غياب الديمقراطية الداخلية وتداول المناصب داخل تلك الأحزاب… الخ.
 
ومن أهم التوصيات التي خرجت بها الدراسة: ضرورة قيام مؤسسات الدولة الرسمية بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني بوضع برامج هادفة إلى التنمية السياسية وإعادة التأهيل السياسي للمجتمع من أجل نشر وتعميق توجهات وقيم ثقافة سياسية ديمقراطية تدعو إلى التسامح والفعالية والمشاركة من خلال مؤسسة التعليم وأجهزة الاعلام ودور العبادة (المسجد) ومؤسسات المجتمع المدني.
 
وضرورة قيام الدولة بتبني وتعزيز قيم الانتماء الوطني وتغليبه على ما عداه من انتماءات ضيقة: قبلية أو مذهبية أو مناطقية أو حزبية، واستبدال مفهوم القبيلة بمفهوم الدولة والأمة، وأن يكون من أولوياتها في المرحلة المقبلة تعزيز القوانين والأعراف التي تحض عليه.
 
وقيام المجتمع، بنخبه السياسية ومثقفية ومواطنيه، بحسم “حالة الدولة واللادولة” التي تفرضها الازدواجية في التعامل مع مؤسسة القبيلة بقيمها التقليدية ومؤسسة الدولة بقيمها الحديثة، وذلك من خلال برنامج منهجي يقوم بوضع تصورات للمزج بين أفضل ما في الثقافة التقليدية وأفضل ما في قيم الحداثة التي تتوافق مع طبيعة مجتمعنا وقيمنا لكي تتفرغ الدولة لمعالجة القضايا التنموية الملحة.
 
وتعزيز مبدأ الشفافية والصدق في التعامل مع المواطنين أثناء معالجة قضاياهم وهمومهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأن تؤطر الدولة علاقتها مع المشايخ ورموز المؤسسة القبلية وتعمل على فك الارتباط والتعامل معهم كقوى سياسية فوق المؤسسات المدنية وفوق القانون، حيث أن الدولة تستمد شرعيتها وقوتها من خلال توازن علاقاتها بمواطنيها وثقتهم بها وليس بالاعتماد فقط على بعض الروافع التي حال انكسار أحدها تتعرض الدولة لهزات عنيفة. وبالتالي تستطيع الدولة أن تفرض هيبتها من خلال:
 
إعادة هيكلة العلاقة مع القوى القبلية بتنظيم نفسها في إطار الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني في إطار التنوع والتعدد واستنادا إلى مبدأ الانتخاب مع الالتزام باحترام القوانين من دون اعتبار للنفوذ والوجاهة، إلى جانب الارتباط المباشر للدولة بالمواطنين في مناطق القبائل الجبلية والصحراوية وإمدادها بالمشروعات التنموية التعليمية والاقتصادية… وربطها بجهاز الدولة ومؤسساتها بدلا من تركها فريسة للفقر والجهل والمرض والاستغلال.
 
وتعزيز قانون السلطة المحلية بالانتخابات الشاملة لكل أعضائها وفيهم المحافظون ليتسنى لهم خدمة المواطنين وتقديم الخدمات مباشرة بعيدا عن المركزية شديدة التعقيد.
 
واحترام وتطبيق مبدأ المساواة وسيادة القانون على كل أفراد المجتمع من دون تمييز وتبني الدولة مشروعا وطنيا واقعيا قائما على جدول زمني تعالج فيه قضايا الثأر بين القبائل وأيضا بين القوى السياسية المتنافسة في فترات التشطير وشطب الخطاب التخويني من قاموس الاعلام الرسمي كخطوة أولى نحو تحجيم مشكلات التعصب المتعددة الابعاد وبداية لمرحلة من التسامح والسلام الاجتماعي الضروري توفرها للتفرغ والقيام بمهام ومتطلبات التنمية.
 
وضرورة تعزيز دور الشباب المتعلم والفاعل وإتاحة الفرصة له للمشاركة في الأنشطة السياسية والتنافس الديمقراطي في الانتخابات المحلية والنيابية والجمعيات والمؤسسات للتعود على التداول السلمي للمناصب واتباع سياسة إحلال وتغيير تدريجي للقيادات التاريخية السياسية والمشايخية بقيادات شابة متعلمة ومستنيرة لتجديد الدماء والفكر والطاقات لمواكبة التطورات العالمية على أن تعتمد معايير المساواة ومبدأ تكافؤ الفرص والكفاية معيارا وحيدا للاختيار مع مراعاة نسب للمرأة لتشجيعها على المشاركة.
 
ووضع مشروع استراتيجي شامل للمستقبل ترسم خطوطه من خلال التنسيق والاتفاق بين القوى السياسية عامة والمثقفين والمهتمين بالهم الوطني في الساحة السياسية اليمنية.

 

1225482849.doc
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر